
عندما يُذكر موضوع التخارج من الشركة، ينصرف الذهن مباشرة إلى الخلافات، وتعثر الشراكات، وضياع الحقوق. حتى إن بعض الشركاء يتجنبون مناقشته عند التأسيس، وكأن مجرد الحديث عنه تشكيك في نجاح المشروع.
ومن واقع التجربة، أرى أن المشكلة ليست في التخارج، وإنما في طريقة التفكير فيه.
فإذا صُممت آليته بعقلية الخلاف، أصبح نقمة. أما إذا صُممت بعقلية البناء، فقد تكون من أهم الأسباب التي تشجع على الشراكة، وتعزز استدامة الشركة.
في عام ٢٠١٨م حضر إليَّ شخصان لم يسبق أن التقيت بهما، وكانت لديهما رغبة في تأسيس شركة مهنية.
تحدثنا عن النشاط، ورأس المال، والحصص، والإدارة، ثم قلت لهما:
قبل أن تتفقوا على طريقة الشراكة، اتفقوا على طريقة التخارج.
بدت الفكرة مستغربة، لكنني أوضحت لهما أن نجاح الشركة لا يعني بالضرورة أن يبقى الشريكان معًا إلى الأبد. فقد تتغير الظروف، أو الطموحات، أو تتباين الرؤى، وهذا أمر طبيعي في حياة الشركات المهنية.
واقترحت عليهما أن تكون مدة الشراكة سنة قابلة للتجديد، وأن يكون لكل احتمال تصور واضح؛ كيف يتم التجديد؟ وكيف يتم التخارج؟ وما مصير العملاء؟ وكيف تُقيَّم الحصص؟ وكيف يتم السداد؟
لم يكن الهدف تسهيل الانفصال، وإنما إزالة الخوف من الشراكة.
بدأت الشركة، وبعد نحو عشرة أشهر اتفق الشريكان على عدم تجديد الشراكة مع نهاية السنة.
لم يقع نزاع.
ولم تتوقف الأعمال.
ولم يخسر أحدهما صداقة الآخر.
بل أسس كل واحد منهما شركة جديدة مع شريك مختلف، وحقق كلاهما نجاحًا مهنيا مختلفا، وكانت التجربة الأولى هي التي اختصرت عليهما سنوات من التعلم، ووسعت شبكة علاقاتهما، ومهدت لنجاحات جديدة.
منذ ذلك اليوم، ترسخت لدي قناعة بأن كثيرًا من الناس لا يخافون من الشراكة، وإنما يخافون من المجهول الذي قد يأتي بعدها.
كم من محامٍ يملك خبرة قانونية متميزة، لكنه يحتاج إلى شريك يمتلك القدرة الإدارية أو شبكة العلاقات؟
وكم من طبيب يستطيع بناء مركز طبي ناجح، لكنه يحتاج إلى شريك يجيد الإدارة والاستثمار؟
وكم من مهندس يملك الخبرة الفنية، لكنه يبحث عمن يكمل الجانب المالي أو التسويقي؟
وكم من رائد أعمال يحمل فكرة واعدة، لكنه لا يملك الموارد الكافية لتحويلها إلى مشروع ناجح؟
في كثير من الأحيان، تكون الموارد موجودة، لكن الخوف من الشراكة يمنع أصحابها من الاجتماع.
وأحب أن أشبه الشراكة بمدرج المطار.
فالطائرات تجتمع في مدرج واحد، تستفيد من البنية التحتية نفسها، ثم تقلع كل واحدة إلى وجهتها عندما يحين وقتها. ولا يقول أحد إن المدرج فشل لأنه لم يُبقِ جميع الطائرات فيه.
وكذلك بعض الشراكات.
قد يجتمع عدد من الشركاء في مرحلة معينة لتجميع الموارد، وتقاسم التكاليف، وتبادل الخبرات، وبناء اسم تجاري، واستثمار العلاقات، واغتنام فرص لم تكن لتظهر لو بقي كل واحد يعمل بمفرده.
ثم بعد سنوات، قد يرى أحدهم أن الوقت أصبح مناسبًا لتأسيس مشروع مستقل، أو الدخول في مجال مختلف، أو تغيير دوره من شريك عامل إلى مستثمر، أو العكس.
إذا كانت آلية التخارج واضحة وعادلة، فإن الجميع يغادر وقد احتفظ بحقوقه، وبقيت العلاقة المهنية قائمة، وربما أصبح الشريك السابق عميلًا، أو موردًا، أو مستثمرًا، أو عضو مجلس إدارة، أو شريكًا في مشروع آخر.
وليس هذا مجرد تصور نظري، فالواقع مليء بأمثلة لمؤسسين تخارجوا من شركاتهم، ثم أسسوا شركات أخرى أكثر نجاحًا، أو عادوا بعد سنوات مستثمرين أو شركاء في مشروعات جديدة. كما أن بعض الشركاء بعد التخارج يتحولون إلى موردين أو شركاء استراتيجيين، فتستمر العلاقة بصورة مختلفة، لكنها قد تكون أكثر نفعًا للطرفين.
لهذا لا أرى أن آلية التخارج تُصمم فقط لمعالجة الخلافات، بل لتشجيع الناس على الشراكة منذ البداية.
ولا يشترط أن تُصاغ عند تأسيس الشركة، وإن كان ذلك هو الوقت الأمثل، فقد تبدأ الشركة بعلاقات بسيطة، ثم تنمو أعمالها، وتتضح قيمة أصولها، وتتبلور أدوار الشركاء، وتدخل كفاءات أو مستثمرون جدد، وهنا يصبح من الحكمة تطوير اتفاقية الشركاء أو عقد التأسيس أو النظام الأساسي بما يتناسب مع مرحلة النضج التي وصلت إليها الشركة.
المهم ألا تُترك هذه المسألة حتى يبدأ الخلاف، لأن الاتفاق يكون أسهل عندما يجلس الشركاء بعقلية البناء، لا بعقلية الدفاع عن المواقف.
في تقديري، لا تُقاس الشراكة الناجحة بعدد السنوات التي استمرت فيها، وإنما بمقدار القيمة التي أضافتها إلى الشركاء وإلى الشركة.
فإذا خرج أحد الشركاء وقد أصبح أكثر خبرة، وأوسع علاقات، وأقوى حضورًا، وبقيت الشركة مستقرة وقادرة على النمو، فإن التخارج لم يكن فشلًا، بل كان انتقالًا طبيعيًا إلى مرحلة جديدة.
ولعل السؤال الذي يستحق أن نطرحه عند تصميم أي شراكة ليس:
كيف نمنع الشريك من الخروج؟
وإنما:
كيف نجعل الشراكة تجربة تمنح الجميع فرصة للنمو، سواء انتهت بالاستمرار أو بالاستقلال؟
عندما نصل إلى هذه القناعة، سيتغير مفهوم التخارج من كونه نهاية للشراكة، إلى كونه أحد الأسباب التي تدفع إليها، وتعزز نجاحها، وتضمن استمرار أثرها.
د.عبدالله بن علي العجلان
محام ومحكم ومدرب معتمد
مستشار التطوير والتمكين للإدارات القانونية والشركات